الرئيسية / اخبار وتقارير / مركز أمريكي للدراسات ينشر خارطة طريق اقتصادية للإغاثة الإنسانية في اليمن

مركز أمريكي للدراسات ينشر خارطة طريق اقتصادية للإغاثة الإنسانية في اليمن

مأرب اليوم/متابعات:

تتفاقم الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم. ففي العام الماضي، كان ما يقدر بنحو 33٪ من سكّان اليمن يعانون بشدّة من انعدام الأمن الغذائي مقابل 25.1٪ في عام 2017، ويبدو أن وقف إطلاق النار الذي تدعمه الأمم

تتفاقم الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم. ففي العام الماضي، كان ما يقدر بنحو 33٪ من سكّان اليمن يعانون بشدّة من انعدام الأمن الغذائي مقابل 25.1٪ في عام 2017، ويبدو أن وقف إطلاق النار الذي تدعمه الأمم المتحدة جعل مسألة حل هذه النكبة أقل إلحاحاً بكثير. ومع مضي عملية السلام المشوّشة قدماً، على الولايات المتحدة اتخاذ خطوات موازية عاجلة لمساعدة ملايين اليمنيين، ابتداءً من تحسين القدرة الشرائية لدى الأسر، مروراً بتحقيق استقرار العملة، ووصولاً إلى جعل الغذاء في متناول الجميع.

ما الذي يسرّع الأزمة؟

عانى اليمن من الفقر وسوء التغذية والمياه غير الآمنة وسوء الصرف الصحي قبل الحرب، لكنّ القتال منذ عام 2015 أدى إلى تفاقم هذه المشاكل بشكل حاد. وفي عام 2010، وجد “برنامج الأغذية العالمي” أن 7.2 مليون يمني (31.5٪) كانوا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، من بينهم 2.65 مليون (11.8٪) يعانون من انعدام الأمن الغذائي الشديد. وبحلول نهاية عام 2018، قدّرت “منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة” أن 20.1 مليون يمني (69.5٪) كانوا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، و9.8 مليون (33٪) من الانعدام الشديد – أي أكثر من ثلاثة أضعاف الرقم من عام 2010.

وغالباً ما يُنظر إلى تطبيق عملية وقف دائم لإطلاق النار مع إنهاء عمليات التفتيش البحرية لـ “الأمم المتحدة” والتحالف على أنهما الوسيلة الوحيدة لإنهاء الأزمة الإنسانية، ولكن الواقع أكثر تعقيداً. فاليوم، تأخذ “آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش” في اليمن ما معدّله اثني عشرة ساعة لتمرير سفينة قادمة، بينما يضيف التحالف بقيادة السعودية أربع ساعات إضافية إلى العملية من خلال عمليات التدقيق الخاصة به – من دون أن يتسبب هذا الأمر بحد ذاته بأي نوعٍ من التأخيرات الكبيرة التي من شأنها أن تعيق المستوردين أو تسبب طفرة كبيرة في انعدام الأمن الغذائي. وحتى لو عاد ميناءا الحديدة والصليف في البحر الأحمر إلى مستويات الاستيراد المُثلى كما قبل الحرب، فستظل الأزمة تتأجج بسبب المشاكل التالية:

انهيار العملة

في عام 2015، كان الدولار الأمريكي الواحد يساوي 215 ريالاً يمنيّاً، لكنّ هذا الرقم ارتفع ليصل إلى 569 اعتباراً من شباط/فبراير 2019، مما زاد بشكل كبير من تكلفة السلع الضرورية.

عدم دفع الرواتب

عندما بدأت الحرب، كان اليمن يوظّف أكثر من 1.2 مليون عاملٍ مدنيٍ وعسكريٍ كانوا يُعيلون مباشرةً حوالي ستة ملايين شخصٍ. ومنذ تشرين الأول/أكتوبر 2015، أصبح تشعّب البنك المركزي إلى فرعيْن يسيطر عليهما الحوثيون والحكومة يعني انهياراً للوظائف المصرفية في صنعاء. ولم يتقاضَ الموظفون أي معاشات تقريباً داخل المناطق التي يسيطر عليها المتمردون (يبلغ إجماليها عادة حوالي 2.1 مليار دولار سنوياً)، ولم تُعطَ إلا مدفوعات جزئية في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة (عادة 1.6 مليار دولار في السنة). وحتى إذا تم إصلاح آليات الدفع، لا توفّر الحكومة إلا 1.6 مليار دولار سنويّاً، مقابل فاتورة سنوية لجدول الرواتب والضمان الاجتماعي تبلغ قيمتها حوالي 3.7 مليار دولار.

ازدياد تكلفة السلع الإنسانية

 يعتمد اليمن بنسبة 90٪ على المواد الغذائية المستوردة والوقود المستورد، وذلك بشكلٍ حصري تقريباً عن طريق تجّارٍ من القطاع الخاص. ومنذ أن بدأت الحرب، يقدّر “صندوق النقد الدولي” أن أسعار المواد الغذائية قد تضاعفت، وأن أسعار البنزين بلغت ثلاثة أضعاف، وتكلفة غاز الطهي ازدادت خمسة أضعاف. ويركّز المراقبون العاديون على انخفاض الواردات إلى المناطق الحوثية كسببٍ رئيسي، وصحيحٌ أن مستوردي الأغذية التجاريين يرون أن الموانئ المتأثرة بالحرب مثل الحديدة والصليف تشكّل ممرات تجارية عالية الخطورة. ومع ذلك، فإن عجز السكان عن دفع ثمن الغذاء يمثل رادعاً لا يقل أهمية. علاوة على ذلك، تقوم كلٌّ من حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي المعترَف بها دوليّاً والحوثيين بتمويل جهودهما الحربية من خلال فرض ضرائب إضافية على السلع الإنسانية المستورَدة، ولا يُجيد أيٌّ منهما تشغيل موانئهم بكفاءة كافية.

خارطة طريق اقتصادية

يتمثّل الحل الأكثر فعالية في تحسين القوة الشرائية للأسر، لكنّ القيام بذلك يتطلب توفير المزيد من السلع الأساسية في السوق، وتخفيض أسعار السلع، واستقرار العملة، وتحسين الدخل. ولتحقيق هذه الغاية، يجب على صانعي السياسات النظر في اتخاذ الخطوات العملية التالية:

استخدام الدولار في اقتصاد اليمن

 من خلال القيام بذلك، سيقوم “البنك المركزي” بتحويل الدولار الأمريكي والريال السعودي إلى عملتيْن قانونيتيْن يمكن تداولهما في اليمن. وفي غضون ذلك، يجب على البنك أن يكون شريكاً وثيقاً مع “صندوق النقد الدولي” لإنجاز عملية التقييم التشخيصي وإعادة البلد بشكلٍ كامل إلى النظام المصرفي الدولي. كما عليه أن يُضفي الطابع المؤسسي ويوسّع نطاق استخدام المدفوعات الإلكترونية و/أو الشيكات من أجل تخفيض نسبة الفساد والسماح بالتدفقات المالية عبر الخدمات المصرفية التي تجري عن طريق المراسلة.

زيادة صادرات الطاقة

لن تكون الحكومة قادرة على دفع الرواتب إلا إذا تمكنت من زيادة الدخل. ومن أصل مبلغ الـ 1.6 مليار دولار الذي وفّرته في العام الماضي، لم يأتِ إلا 765 مليون دولار من مبيعات النفط – وهي نسبة بعيدة جدّاً عن الـ 1.67 مليار دولار التي شهدها عام 2014. وعلى الرغم من أن أسعار النفط كانت أكثر ارتفاعاً بكثير في ذلك الوقت، إلا أن هناك متسعاً إضافياً لتوليد المزيد من الدخل في قطاعي النفط والغاز في اليمن. وباستطاعة بعض تحركات الدعم البسيطة من الحكومة الأمريكية – مثل تمويل تطوير خط الأنابيب عبر “بنك التصدير والاستيراد الأمريكي” أو “مؤسسة الاستثمار الخاص لما وراء البحار” – أن تزيد كثيراً إيرادات الحكومة اليمنية، والتي تتم معالجتها من خلال حسابٍ في “بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك” تحت إشرافٍ دولي. وبالمثل، كان مشروع الغاز الطبيعي المُسال في اليمن يولّد 300 مليون دولار سنوياً حتى عام 2013، ويمكن لشركة “توتال” الفرنسية أن تستأنف بسرعة عمليات التصدير بفضل البنية التحتية القائمة والضمانات الأمنية لمصنع الغاز الطبيعي المُسال ومحطته البحرية. وعلى وجه التحديد، من المرجح أن تقتنع “توتال” باستئناف العمل في حال وجود حماية دفاعية صاروخية إماراتية ومرافَقة بحرية أمريكية/إماراتية لناقلات النفط، مما يضيف على الفور 19٪ إلى عائدات الحكومة.

إعادة دفع الرواتب

 على “الأمم المتحدة” أن تساعد في تنظيم دفع الرواتب إلى المعلمين وعمّال الصرف الصحي وموفّري الرعاية الصحية في جميع أنحاء اليمن، والتي تغطيها جزئياً حكومة هادي والجهات المانحة الدولية في الوقت الحالي. وكان التبرع الأخير لـ “منظمة الأمم المتحدة للطفولة” الذي بلغت قيمته 70 مليون دولار من السعودية والإمارات خطوةً في الاتجاه الصحيح، ولكن تخفيف الأزمة سيتطلب دفع رواتب شهرية. وحالما تُخصص حكومة هادي عائدات النفط لهذه المدفوعات، على جميع الأطراف أن يساعدوا في ضمان أن يتم الدفع للعائلات العامِلة في جميع مناطق البلاد بشكلٍ منتظم وبشفافية تامة، باستخدام تقنيات مالية مؤهلة وجدول رواتب يمكن التحقق منه ومدعوم بمخطط بيومتري وطني.

تسهيل التجارة

على حكومة هادي والشركاء الدوليين أن يسرّعوا برنامج تسهيل التجارة الناشئ لتجّار القطاع الخاص، الذين يوفّرون جميع السلع الأساسية المستوردة في اليمن باستثناء 5٪. ولتحقيق هذه الغاية، يجب الضغط على وزارة المالية وعلى القطاع المصرفي التجاري في البلاد لإنشاء خطابات اعتماد لمجموعة واسعة من التجار في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين والحكومة، مما يسمح لهم باستيراد السلع والأدوية الأساسية وفي الوقت نفسه استنفاد نسبة أكبر من القرض الذي قدّمته الرياض في آذار/ممارس 2018 بقيمة 2 مليار دولار. بالإضافة إلى ذلك، يجب على السعوديين أن يساعدوا حكومة هادي على فتح ممرات تصدير إلى الشمال، ويجب على اليمن تعديل مرسومه رقم 75 لتحقيق المساواة في التعامل مع مراكز الاستيراد الخاصة بالحوثيين والحكومة والتخلص من حالات التأخير في واردات الوقود.

زيادة نقاط الولوج قدر الإمكان

على اليمن والبلدان المجاورة فتح جميع الموانئ والمعابر البرّيّة/الجوّيّة بشكلٍ واسعٍ وفعّال قدر الإمكان. فلا يمكن حل أزمة معقّدة بهذا القدر من خلال نقطة وصول رئيسية واحدة (ميناء حديدة حالياً). كما يجب التخلص من كافة الضرائب والرسوم الجمركية والعوائق المالية على واردات السلع الأساسية.

التداعيات على السياسة الأمريكية

أمام الولايات المتحدة حوافز قوية لتخفيف حدّة الكارثة الإنسانية في اليمن، والتي لا تشكّل إهانةً لقيم الولايات المتحدة وقيادتها العالمية فحسب، بل أيضاً تهديداً للمصالح الأمريكية. وتُلحق هذه الأزمة ضرراً كبيراً بعلاقات السعودية والإمارات مع الكونغرس الأمريكي، بينما تعزز إيران موطئ قدمها في المنطقة، ويطوّر تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» ملاذاتٍ آمنة جديدة في المجتمعات المحرومة. ويبقى دعم عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة وجهود التهدئة في موانئ البحر الأحمر أمراً أساسيّاً لتحقيق هذه المصالح، لكنّ اتخاذ تدابير اقتصادية تعود بالنفع المباشر على الشعب اليمني لا يقل أهمية.

الخطوة الأولى هي تعزيز فريق الولايات المتحدة الذي يتعاطى مع اليمن. توفّر الأزمة فرصةً لإدارة ترامب لإنشاء بنية من القرن الحادي والعشرين لمواجهة تحديات السياسة الخارجية المعقَّدة في بيئاتٍ غير متسامحة. وفي الوقت الحالي، تكمن نقطة الانهيار الحاسمة في مجموعة صغيرة جدّاً من موظّفي السلك الدبلوماسي الذين ليس لديهم فريق استجابة لحالات الكوارث، وعدم وجود بعثة من “الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية”، ومع دبلوماسية عامة غير كافية، وتشكيلة غير مناسبة من المسؤولين السياسيين والاقتصاديين المبتدئين.

بناءً على ذلك، على الإدارة الأمريكية أن تنقل دبلوماسيين وخبراء تنمية وفرقاً معنيّة بالاستجابة الإنسانية من واشنطن وفرانكفورت وبودابست إلى الرياض وأبوظبي وعمّان وجيبوتي، مع مكاتب تابعة في عدن أو المكلّا. فلم تقم أيٌّ من الإدارتيْن الأمريكيتين الحاليّة والسابقة بوضع ما يكفي من الأشخاص على الأرض بمستوياتٍ رفيعة كافية للتعاطي بشكلٍ مناسب مع المحاورين الرئيسيين، مما أعاق قدرة واشنطن على فهم الديناميكيات المعقَّدة الكامنة وراء هذه الحرب التي تتعدد فيها الجهات الفاعلة. وكنتيجة لذلك، لا توفّر الولايات المتحدة الأفكار أو الحلول للأطراف .

أخيراً، بصرف النظر عن إعادة تأهيل التركيز الذي يصبه المجتمع الدولي على الحديدة والصليف، فإن تخفيف مركزية هذين المينائين كممرين إنسانيين يمكن أن يجعلهما أيضاً أقل قيمة للحوثيين، وربما تتراجع المقاومة التي يُبديها الثوار إزاء مقايضة السيطرة المحلية باتفاق سلامِ أوسع نطاقاً. ويمكن أن تؤدي نسبيّاً هذه الإصلاحات السياسية الصغيرة وغيرها إلى تغيير حياة الملايين والبدء في استعادة بعض الأمل في البلاد

اترك تعليقاً