الرئيسية / كتابات وتحليلات / سياسية لا طائفية

سياسية لا طائفية

بقلم / معاذ المطاع

ليس ما يجمع اليمنيين هو “الوحدة الجغرافية” فقط أو التعايش الاجتماعي المعهود أو “نزعات الطيبة – العاطفة – القَبْيَلة” التي نُعرف بها نحن اليمنيين، ليس ذلك فحسب، بل الأهم هو أن ما يجمعنا هو أن الواحد منا قادر على فهم الآخر.

اليمنيون بطبيعتهم مهما اختلفت أسماؤهم ومسمياتهم وعقائدهم يفهمون بعضهم.. وبغض النظر عن طبيعة هذا الفهم سواء كانت إيجابية أو سلبية؛ سنكون أكثر وعياً إذا ركزنا على طبيعة الفهم الإيجابي وجعلنا منه ثقافة شائعة كمقدمة لإحداث ثورة اجتماعية في وجه الصراعات.

في صنعاء مجلس القات الواحد قد يضم ابن صنعاء وابن تعز وابن عدن وابن إب وابن شبوة وابن ذمار وابن الضالع.. قد لا يتم التعارف بالمناطق بين كل هؤلاء، رغم أن اللهجة تفرض نفسها على الشخص وطريقة حديثه، ولن تجد في نفس المجلس شخصاً صنعانياً يجرؤ على فتح حديث مناطقي مع شخص تعزي أو عدني أو العكس إلا فيما ندر.. عملية التفاهم تتم آلياً لمجرد أن مجلساً للقات يجمعهم، من دون أن تتخلل النزعاتُ المناطقية تلك “التخزينة” الشاملة.

إذا كنتَ موجوداً في مجلس كهذا، ستخطر لك عدة أفكار أولها أن مثل هذه النزعات الخبيثة ليست حاضرة في مجلس قات كما هو الحاصل في مواقع التواصل الاجتماعي وفي ميادين القتال وميادين الصراع. فهل هو تناقض مثلاً أم مجاملة أم تعايش فعلي أم ماذا؟!

السر قد يكمن في نقطتين رئيسيتين: الاجتماع والفهم.

فالاجتماع (الالتقاء وجهاً لوجه تحت خشبة واحدة في مكان واحد) يجعل هؤلاء المختلفين مناطقياً يلغون كل عوامل النهوض بالمناطقية أو استحضارها.. إنها تغيب بمجرد حضورهم. وقد لا يجدون سبباً لإفساد “جَو التخزينة” بسبب خلافات سياسية لا شأن لهم بها ولم يكونوا هم جزءاً في إحداثها.. وذلك هو معنى “الفهم”.

الناس يفهمون بعضهم، ويفهمون أن الخلافات لا تعني أن ينبذ الشخص غيره، فهم يفهمون أهمية التعايش من أجل أن تستمر الحياة، ويفهمون أن الظروف السياسية الفجة هي التي أدخلتنا هذا المستنقع الكبير، فلماذا ندخله حتى حين نلتقي ببعضنا البعض أثناء تخزينة للكيف؟! .. سيخرج هؤلاء من المجلس وكل واحد يقول للآخر: “يللا متواصلين.. فرصة سعيدة.. تشرفنا.. في أمان الله”.

هذا المشهد “مشهد الفهم” يحكي لنا “عدم الفهم” الذي يتحلى به المتحاربون.

ماذا لو التقت الأطراف جميعاً وجهاً لوجه ووضعت حجر الأساس في مشروع بناء اجتماعي وسياسي يتجاوز كل نقطة سوداء ويمسح الندب العالقة على الوجوه؟

المتحاربون يعرفون بعضهم، وكذلك يفهمون بعض ويفهم كلٌّ ماذا يريد الآخر.. الخلافات مفهومة والملفات مطروحة، يعني أن احتواءها أمر ممكن وليس معجزاً يحتاج إلى أنبياء ومصلحين.. يكفي أن يتم اللقاء في مكان واحد والالتقاء عند الفوائد العامة للبلاد وللشعب، بعد أن كانوا هم سبب إفساد “جَو البلاد العام”.

ماذا لو حدث ذلك وكان هناك إرادة سياسية على التخلص من ألاعيب السياسة؟! قد ينتهي اللقاء بالفعل بنتائج تدفع الأطراف إلى إنهاء كل شيء بكلمتين: “يللا متواصلين.. في أمان الله”.

اترك تعليقاً