الرئيسية / اخبار وتقارير / اليمن الذي كان جمهورياً.. المشهد الأخير لاغتيال الثورة

اليمن الذي كان جمهورياً.. المشهد الأخير لاغتيال الثورة

تقرير.. منظمة نسيج الاعلامية

لم يُكتب العمر الطويل للمأثور الشعبي القائل: “جمهورية ومن قرح يقرح”.

كانت الجمهورية قد أصيبت بالقرحة حين سقطت بأيدي جماعة أنصار الله “الحوثيين” منذ خمس سنوات، وتم السطو على ثورة 26 سبتمبر 1962 وخنق النظام الجمهوري الذي تأسس على لبنات الديمقراطية. حدث ذلك بعد 52 عاماً من التجمهر الاجتماعي حول عباءة الثورة والجمهورية، وهبَّت عواصف “الحق الإلهي”.

خلال السنوات الخمس الماضية منذ اجتياح العاصمة صنعاء في الحادي والعشرين من سبتمبر 2014، حصد اليمنيون انتهاكات مبدأ “الحق الإلهي” المتمثلة في تغييب الديمقراطية وسحقها وبروز الكراهية وأساليب التحريض ورفض الآخر وقمع حريات الرأي والتعبير والتعدد والاختلاف والصحافة وغيرها. كانت هذه الفترة كفيلة بتعريف المواطنين بأبعاد المشروع الديني السياسي المتطرف الذي يتبناه “أنصار الله” وترفضه قاعدة شعبية عريضة من اليمنيين.

إذ تبدلت خلال هذه الفترة أوضاع الشعب وأحوال التحالفات السياسية، وتغير الوضع الدولي والإقليمي وهيمنت السلطة الحوثية على الثروة ومؤسسات الدولة وفرضت على الواقع أنشطتها وأفكارها ومفاهيمها المتطرفة، وانفجرت الخارطة اليمنية في وجوه اليمنيين، ثم على سبيل الاحتفاء بالمنجز التاريخي للجماعة، تم إحياء الذكرى الخامسة لهذه الثورة السبت الماضي، 21 سبتمبر 2019، تحت شعار “حرية واستقلال”، رغم انعدام مظاهر الحريات السياسية والمجتمعية راهناً، ورغم كل ما يُتداول عن المشروع الإيراني الذي يجد في اليمن بيئة مناسبة يتمدد عليها.

يستشعر اليمنيون غياب الديمقراطية بفعل السطو على الدولة والنظام الجمهوري وانتزاع الجمهورية اليمنية إلا من بين الأوراق الرسمية. إذ يتجلى الفعل السياسي المتطرف للحوثيين منافياً لموضوع وملامح وأهداف الثورة اليمنية 1962، التي نصَّت على التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتها وإقامة حكم جمهوري عادل وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات، بالإضافة إلى التمسك بمبدأ الحياد الإيجابي وعدم الانحياز والعمل على إقرار السلام العالمي وتدعيم مبدأ التعايش السلمي بين الأمم.

تمزقت رقعة التعايش السلمي بين الأمم اليمنية ذاتها، وطغى النَّفَس الطائفي على الحياة العامة في ظل سلطة أكبر جماعة يمنية مسلحة، ويمكن القول إن جماعة أنصار الله، التي يُطلق عليها الإعلام المناوئ لقب “أنصار الإمامة”، تخوض معركتين على المستويين السياسي والاجتماعي: معركة الجماعة ضد التحالف السعودي العسكري التي من أجلها يتم حشد المقاتلين إلى مختلف الجبهات على الأرض منذ 26 مارس 2015، ومعركة الجماعة ضد الديمقراطية.

فالخطاب الديني للجماعة يتسم بالعداء الشديد للديمقراطية بوصفها النقيض لمعتقداتهم التي تقتضي التسليم بأحقيتهم المطلقة في الحكم نتيجة “الاصطفاء الإلهي”، ويتضح ذلك من خلال الرؤية السياسية لقائد الجماعة نفسه عبدالملك بدر الدين الحوثي الذي سبق وظهر في خطاب متلفز نهاية أغسطس 2018 وقال: “لو تركت ولاية أمر المسلمين للاختيار البشري (الانتخابات) لكانت خاطئة جداً”، مستشهداً بمجتمع مكة في صدر الإسلام بقوله: “الأغلبية كانت إلى جانب أبي جهل وأبي سفيان وتكذّب الرسول، ولو قيل انتخبوا لاتجهوا لانتخاب أبي جهل أو أبي سفيان وكفروا برسول الله”.

ذلك أن قائد الجماعة ومَن حوله مِن الموالين يعززون في عقولهم فكرة أن الأحقية في الحكم نابعة من اصطفاء إلهي لهم، وأن هذا الاصطفاء قد تجسَّد في شخص قائد الجماعة، وأن تمكيناً إلهياً يسندهم في مواجهة العدو في ميادين وجبهات القتال وفقاً لتوجيهات “السيد” الذي خَلَف شقيقه حسين الحوثي مؤسس الجماعة الذي قُتل عام 2004، والذي تعتقد الجماعة أن استهدافه كان استهدافاً للقرآن.

كما يبدو عداء “أنصار الله” للديمقراطية شديداً حين يتعلق الأمر بحرية القول أو حرية الفعل، من منطلق أنهم شديدو الخصومة يبثون الرعب في نفوس المواطنين إذا ما تجرأ أحد على انتقاد السياسات القمعية، خاصة إذا تعلقت تلك السياسات بمناسبات مقدسة تحييها الجماعة كالمولد النبوي الشريف وعيد الغدير وذكرى عاشوراء وذكرى استشهاد إمام الزيدية زيد بن علي بن الحسين، وعيد ثورة 21 سبتمبر، وغيرها من المناسبات التي تحتل أهمية كبرى بالنسبة للجماعة أكثر من مناسبات وطنية كعيد ثورة 26 سبتمبر.

بين كل هذه التعقيدات يصارع هذا العيد، عيد الثورة السبتمبرية، الموتَ أو الاغتيالَ السياسي إن جاز التعبير، ويحل علينا اليوم الخميس عابراً وكأنَّ جمهوريةً لم تكن.

ويشدد الكاتب والباحث محمد عزان، في تصريح لـ”نسيج” على أهمية هذا اليوم الوطني بقوله: “ثورة 26 سبتمبر ثورة حقيقية ليس لكونها أزاحت نظاماً وأحلّت نظاماً مكانه؛ ولكن لأنها أحدثت تغييراً في معالم النظام السياسي والاجتماعي والثقافي لصالح الإنسان، فكانت على الرغم من الأخطاء والعوائق فجراً جديداً أرست نظاماً جمهورية قابلاً للتحديث، وفي ظله تمكن الناس من التعلُّم ونال كثير منهم قسطاً من العيش الكريم”.

إلا أن الحوثيين يعتبرون ثورة 26 سبتمبر “ثورة منحرفة” تم تصحيح مسارها بفضل “ثورة 21 سبتمبر”، حد تعبير رئيس اللجنة الثورية لدى الجماعة، محمد علي الحوثي.

ففي بيان له صدر الأحد، قال الحوثي: “لم يكن هدف ثورة الـ21 من سبتمبر إلغاء ثورة الـ26 من سبتمبر، وإنما تصحيح مسارها؛ إذ أن الواقع حينها كان مليئاً بالشواهد الدالة على أن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر انحرفت عن المسار، حيث كان أركان الدولة حينها، ومن نصبوا أنفسهم أوصياء على الثورة قد جيّروا كل شيء في منظومة الحكم لمصالحهم الشخصية، وخدمة أجندات خارجية، فوقع الظلم ونُهبت ثروات البلاد ومقدراتها، ما جعل ثورة الـ21 من سبتمبر ضرورة لإعادة ما انحرف من المسار إلى وضعه الطبيعي”.

وعلى سبيل التبرير أضاف الحوثي: “لم يخطر ببال ثوار 21 سبتمبر إلغاء النظام الجمهورية الجمهوري – كما يتشدق به أعداء الثورة – إذ لا يزال قائماً ومستمراً، ولولا العدوان للمس الجميع أن اليمنيين مستمرون في نهجهم الديمقراطي ويحكمون أنفسهم بأنفسهم”.

إلا أن النتيجة- في ظل السطوة الدينية السياسية المتطرفة في اليمن- هي أنه لا أولوية للحديث عن التعددية والديمقراطية، وأن أوضاع الحرب كانت المشاعة التي تعلق عليها الجماعة أخطاءها وتغذي من خلالها امتيازاتها ونفوذها.

إذ مازالت النخبة الحاكمة بعيدة جداً عن الإقرار والاعتراف بمبدأ صدور السلطة عن الشعب وبحق هذا الشعب في المشاركة فيها فردياً وجماعياً، بل في قول رأيه فيها من دون طموح للمشاركة، ولاتزال الوصاية على المجتمع اليمني هي العقيدة الأساسية التي تحكم ممارسات النخبة الحاكمة مع تعدد الحجج التي تسند إليها هذه النخب وصايتها وطرق التعبير عن هذه الوصاية، ولايزال “الحق الإلهي” و”الاصطفاء الإلهي” هما المنفذان الضيّقان اللذان من خلالهما يَنسَلُّ خيط الجماعة الرفيع.

رداً على ذلك يَعتبر الباحث عزان أن ثورة 26 سبتمبر هي الثورة التي “لا تزال تمثل الإطار الجامع لليمنيين، وهي ما بقي للناس من أمل”.

لذا فإنه يشدد على أهمية المحافظة عليها وصَونها من الجماعات العصبوية ومآربها الشخصية، ويقول: “فلنحافظ عليها كما جاءت وكما أرادت أن تكون، ولا نسمح لأي جماعة عصبوية متطرفة أن تفرغها من محتواها تحت أي مبرر كان، ولا نحملها خصوصياتنا التاريخية وعُقَدنا الإثْنيَّة، ونحوّلها إلى مجرد مادة للمزايدات والتفاخر ونصيّرها عصبية رعناء وسوطاً يجلد به بعضنا بعضاً؛ لأنها عند ذلك ستفقد بريقها وتذهب ريحُها وتخرج عن رحابة الوطنية إلى ضيق الخصوصية، وبالتالي تتحول إلى حالة من الجدل والاصطفافات والمتاريس التي لم ولن نَخرج منها”.

بلا جمهورية وبلا جمهور

مما سبق ذكره، يتلخص لنا المشهد الأسود كاملاً. يقتنع الحوثيون بأنهم تنظيم عادل يتنفَّس ثورةً ويملك حقاً، ويعيقون كل الطرق المؤدية إلى الشعب ومعاناته، مع التمسُّك بالهوية السبتمبرية حرصاً على ألا تلتصق بهم تهمة “الإمامية” أكثر.

في تصريحات لـ”نسيج” يدقق الدكتور صادق القاضي، الباحث الأكاديمي في مركز البحوث والتطوير التربوي، في سوداوية هذا المشهد بالقول إن “الحوثي ليس أول من انقلب على السلطة في اليمن، لكنه أول من انقلب على الشعب، انقلب عليه ككيانات اجتماعية، ومكونات عقائدية، وتنوعات عرقية، وأحزاب سياسية، ومنظمات مدنية، ومؤسسات تمثيلية.. انقلب على السلطة والمعارضة، على الإجماع الوطني ككل، لا على النخبة الحاكمة فحسب، وعلى شرعية النظام السياسي الثابت، وليس فقط على شرعية الرئيس الحالي”.

بشكل عام وكما يعتقد الدكتور القاضي، فقد تعرضت “التجربة الجمهورية” في اليمن منذ البداية لكثير من الانتكاسات والاختلالات وأوجه القصور التي نخرتها من الداخل، وتسببت بهشاشتها وانحدارها التدريجي، وصولاً إلى سقوطها عملياً عام 2014، على يد “الجماعة الحوثية” حد تعبيره.

و”الجماعة الحوثية” في هذا المقام، هي النقيض المتربص الذي استفاد من كل تلك الأخطاء والخطايا التراكمية ليفرض نفسه، على الواقع اليمني، لا كبديل ناجح لنظام فاشل، بل كأسوأ ما يترتب على الفشل من عقاب. يضيف القاضي: “بعبارة أخرى “الانقلاب الحوثي” لم يكن مبادرة نزيهة لإصلاح حالة مختلة، بل محاولة انتهازية لركوب الاختلال عودة إلى النظام الإمامي، مع أن “التجربة الجمهورية” في أسوأ حالاتها كانت أنجح من “النظام الإمامي” في أفضل حالاته”.

أما عن “الولاية” و”الجمهورية”، فهما بلا شك نظامان “متنافيان” حسب تعبير القاضي، لا يمكن الجمع بينهما، كونهما متناقضين سياسياً وإيديولوجياً، ومختلفين حد التضاد في المرجعيات والتصورات والتجليات والممارسات والتوجهات، ومن البديهي أن الحوثيين، يعتنقون عقيدة الولاية، ولا يدخرون جهدا في الإجهاز على ما تبقى من النظام الجمهوري، لصالح النظام الإمامي الذي يشكلون امتداده الموضوعي.

هذه الحقيقة لا تتعارض مع المسمى الجمهوري الذي ما تزال هذه الجماعة تتلبسه، إمّا كقناع تكتيكي مؤقت ستنزعه لاحقاً، أو كشكل استراتيجي لنظام إمامي جمهوري على غرار الإمامة الجمهورية في إيران، ويرى القاضي أننا في هذه الحالة سنكون أمام نظام توفيقي تلفيقي “فرانكشتايني” هو بكل المقاييس أكثر رداءةً وانحطاطاً من النظام الإمامي نفسه. وفي الحالتين نحن أمام أيديولوجية مناقضة للديمقراطية، ونظام معادٍ للنظام الجمهوري، ولا يمكنه في أحسن الأحوال القبول بالديمقراطية، إلا كهامش، ولا النظام الجمهوري إلا كقناع.