الرئيسية / كتابات وتحليلات / سلام الساسة أم سلام الإنسان المفكر

سلام الساسة أم سلام الإنسان المفكر

بقلم / صلاح الدين الروحاني

يريد لفيف الساسة أن تنتهي الحرب، والحرب قد تنتهي لكنَّ انتهاءها لا يعني بالضرورة أن السلام سيتبع. بقرار واحد قد تتوقف أصابع البشري عن كبس زناد بندقيته، قد تتوقف أوامر القتل من السياسيين وجنرالات الدم، لكنَّ ذلك لا يعني أن يعم السلام وتجربة البشري ظلت خير دليل على

ذلك.

آه لكم أخفق الساسة كثيرا في خلق سلام حقيقي عبر التاريخ لأن السلام مقترن في تصوراتهم – وهو الشعور والقيمة الأخلاقية والجمالية الأهم – بالكف عن استخدام الأسلحة وحرق البارود فقط، فيما السلام في جوهره حالة جوانية، نفسية، تسبق كلَّ سلوك وتحدد أُطره، ولو أن كلَّ سياسي تأمل عميقا فأدرك دلالة مفهوم عظيم كهذا ثم تبناه كسلوك فردي قبل كل شيء لما خُطت صفحات تاريخنا البشري بالدماء.

إن السلام الحقيقي حالة شعورية وقيمة أخلاقية وجمالية تخلقها الذات الإنسانية المفكرة المتأملة عميقا والحصيفة في قراراتها واستدلالاتها، في البدء تتبناه كسلوك فردي محض ثم تُبشر به كحقيقة وغاية جمعية تجعل الإنسان أكثر قربا من أخيه الإنسان.

إن إرادة السلام لصيقة بنا نحن لا بالساسة، إرادة تمسنا أكثر من مسيسها لهم فنحن من نوقف الحرب لا هم، نوقفها متى درجنا على تأمل أنفسنا عميقا وعملنا على نزع بواعث الأنانية من أعماقها، متى تأملنا الآخر في سياق احتياجاته وخصوصياته الإثنية، متى أسسنا لشركة حقيقية معه، متى توقفنا عن ازدراء معتقده والتحريض ضده، هكذا سنتثمل السلام في أنفسنا ونعيشه بانعكاساته الاجتماعية ونوقف الحرب.

مؤخرًا تهافت الجميع مستبشرا بعملية السلام التي أعلن عنها الساسة وبائعو الدم من الطرفين، وهو تهافت يفهم لأنَّ الحرب جثمت كالطود على أنفاس هؤلاء، وأيًا يكن فالحسم الحقيقي للحرب يبتدئ بالفرد المفكر لا بالحاكم.

إن عملية السلام القادمة يجب أن يقودها المفكرون والفلاسفة والفنانون، الإنسان كل الإنسان من أبناء هذه الأرض لا الساسة فقط، ويكون هؤلاء جميعهم شركاء في التخطيط العلمي لعملية السلام القادمة بأبعادها النفسية والاجتماعية، على أن تحترم خطة السلام هذه الآخر وتبتعد عن أي تحشد ضده، أن تلاشي الضغينة بين مكونات النسيج الاجتماعي الواحد وهي الضغينة التي إن استمرت فلن يحل السلام وإن كف الساسة والعسكريون عن تذخير بنادقهم.

(نقلا عن منظمة نسيج الإعلامية)