الرئيسية / أخبار مأرب / اليمن خارج التاريخ حتى إِشعارٍ آخر

اليمن خارج التاريخ حتى إِشعارٍ آخر

المهندس/ حسين بن سعد العبيدي

كلما لاح بصيص أمل لدى اليمانيين، شاءت الأقدار الا ان تفسده الالام والجراح، فلا يزال هناك متسع من الأمل بالمضي إلى الأمام وسيتجاوز اليمانيون الصعاب وسيتحقق الفوز بعزمً كبير، لان اليأس والاستسلام ليس من شيم وثقافة شعب كتب نقوش حضارته على الحجر والسيوف.

فقد وردت في القرآن الكريم العديد من القصص المحزنة التي تحكي جزءاً هاماً من تاريخه ، وكيف آل هذا التاريخ إلى سلسلةً من الأحزان والمصائب!؟، وتناوب المستعمرون على مسار التاريخ في غزو اليمن واحتلال ونهب ثرواته وحمل مقتنيات التاريخ خارج هذا البلد البائس.

وبالرغم من عراقة التاريخ الضارب في القدم ، ووصول اليمنيين إلى مراتب الرقي والتنمية والمجد، ومشاركة المجتمع اليمني في بناء الحضارة الانسانية فكراً وعلماً ، وتبوء قيادة المماليك والسلطنات والامصار العربية والأجنبية، فإننا لم نحتفظ الا على القدر اليسير من هذا التاريخ، وتركنا أفالنا وتراثنا نهباً للغزاة واللصوص.

ومع أن الموروث الثقافي والعلمي الذي تحدث عنه القرآن العظيم المتمثل في حضارة سبأ وحمّير ، فإننا دسنا بأقدامنا على هذا التاريخ ورميناه خلف ظهورنا وتركناه نهباً للصوص، واعطينا فرصة للناهبين والمتربصين وزعماء التخلف الفكري ورواد الرجعية وهواة الفتن ، بأن يتسلطوا على رقاب هذا الشعب وتحويلة إلى خدم وعبيد ومرتزقة.

حيث مُنعً سلاطين الظلم والتخلف من مواصلة بناء ذلك الارث التاريخي ، الذي دام لالاف السنين وحل محل تلك الحضارة سلسلةً تزامنية من التخلف والانهيار والانكفاء والفقر والجهل، دَفع اليمنيون إلى الابتعاد عن التعليم وبناء الدولة والتحول إلى مجموعة لا تجيد سوى المواجهات العصبية، ودعوة الغزاه والاجنبي إلى احتلال الارض واستعباد الإنسان.

عندما أتت الفوضى الخلاقة إلى عالمنا العربي قبل عقد من الزمن، فقد اندلعت في زمن كانت فيه النخب الوطنية والقومية والتحررية قد أفلت من المشهد السياسي والاجتماعي، واصبحت مغيبه حتى ان المجتمعات التي طحنها الاستبداد السياسي والفقر أضحت فريسةً سهلة لكل التنظيمات الأصولية والمتطرفة التي تهب فتاوي التكفير والجهاد، وتمنح مقاتليها سلاسل مفاتيح الجنه، وتفجر منازل من يخالفها في الرأي والمعتقد ، وتهدر دماء المثقفين والمبدعين والفنانين والمفكرين ، وتقسيم فئات المجتمع إلى عرقية واثنية ، وتحويل الناس إلى شرائح مهمشة يكرهوا بعضهم بعضاً حتى انشغلت عن الإنتاج والصناعة.

ستظل هذه التنظيمات المتشددة هي القوى الأبرز على الساحة ولربما لعقد اخر من الزمن ، لانها القوى الوحيدة التي استفادت من هذه الثورات الربيعية والانتفاضات الشعبية والحروب بدون هدف، وستظل توجه المجتمع وخصوصاً الشباب بعد احكامها وسيطرتها على المال والسلطة والإعلام بدعم من الخارج والقوى الاستعمارية.

فالشباب اليوم لم يعد يجد عملاً او فرصة في الحياة الا بالالتحاق لميادين القتال التي ترعاها هذه التنظيمات، ولم يعد يجد الفرصة للتعليم والتفكير وتطوير الذات، ولكي تفرض شكلًا جديداً ومختلفاً من الصراع والاستبداد السياسي بإسم العقائد والتمايز العرقي والاثني، وتبقى المجتمعات الانسانية والحضارية ردحاً اخر من الزمن في خارج مسار الحياة السوية والتطور الإنساني والحضاري.

ولكن المحزن أن نكون فريسةً لكل فكر وفلسفة ولكل قادم شرير من الخارج، حتى ان نكون اول من احتضن هذه الأفكار وقاتل من أجلها دوون سبب او هدف، حتى تحولت العشر السنوات الماضية لحرب من زنقة إلى زنقه، ومن جامعه إلى جامعه ، ومن مسجد إلى مسجد.!

وعندئذ قالها احد الصهاينه: الان نستطيع ان نرتكي إلى جدار المبكى لنستمع ونشاهد المبارزات الدموية بين العرب دون ان يلتفتوا الينا، ولم نثق حتى وجدنا ان العرب والمسلمين قد انقسموا بين مشرد وسارق، واصبح الأثرياء يتسابقون لاكتساب ود هذا العدو الشرير، وفتح الطرق والأبواب لحضورهم ومجاراتهم وعقد الصفقات التآمرية والمتوحشة للقضاء على الأغلبية الواقعة تحت خط الفقر، والغارقة في الجهل والحروب والصراعات الطائفية.

لربما يكون من الأفضل على اليمنيين والعرب والمسلمين جميعاً ونحن نعيش هذه الانتكاسة التاريخية ، بإعادة الدراسة والبحث والفهم السليم لتراثنا الديني بعيداً عن اسطوانة التشدد والغلو في الدين ، وان نعمل بعقول رصينة ومنفتحة ونمتلك القدرة على الفهم لتحديات المرحلة القائمة، وأن نكون أمةً تسعى وتعمل إلى جعل ديننا الإسلامي منسجماً مع العصر بالتسامح والانفتاح وقيادة العالم إلى النهضة الشاملة والسلام الدائم.

**رئيس مركز مداري للدراسات والأبحاث الإستراتيجية.

1 فبراير 2021