الرئيسية / كتابات وتحليلات / قطار الربيع العربي إلى أين ؟؟؟

قطار الربيع العربي إلى أين ؟؟؟

المهندس/ حسين بن سعد العبيدي

دأبت القوى الاستعمارية خلال القرون الماضية على بسط هيمنتها على الشعوب العربية والإسلامية تحركها كوامن الحقد والضغائن من جانب والرغبة في الاستيلاء على الثروات الطبيعية في هذه المنطقة الاستراتيجية الهامة من جانب اخر، وكانت أخر المكائد التي ابتدعتها تأسيس برنامج تخريبي يسمى "الربيع العربي " مستغلة بذلك التناقضات والخلافات العرقية والمذهبية والدينية وغياب مبدأ الشورى والتداول السلمي للسلطة وظلم بعض الحكام وارتهانهم إلى المصالح الغربية والصهيونية مقابل التنازل عن الحقوق القومية والدينية والثقافية لهذه الأمة.

ولأن كانت هذه القوى الاستعمارية والصليبية قد فشلت في إذلال شعوب الأمة عبر التدخلات العسكرية المباشرة والغزو المعلن ، فلقد تبنت برنامجًا خبيثاً أطلقت علية مفهوم "الفوضى الخلاقة" أو " الثورات الداخلية الناعمة" كما ورد على لسان رؤساء دول غربية وزعماء نوادي ماسونية وجماعات صهيونية متطرفة والتي ورد في تصريحاتها وكتاباتها وتقاريرها السرية من " ان هذه الأمة لن تخضع إلا اذا احدثنا في كرامتها الداخلية جرحًا عميقًا لا تتعافى منه بسهولة".

وقد تمكنت هذه القوى الشريرة للأسف من تحقيق اهدافها مستغلة الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها شعوب المنطقة وفرض السياسات الاقتصادية للبنك الدولي والقروض ذات الشروط المجحفة والمشاريع الوهمية حتى خلقت لدى هذه الشعوب الشعور بالإحباط وانعدام الثقة بين الحكام والمحكومين ورغبة القوى المراهقة داخل المجتمعات العربية والإسلامية في الانتقام من الأوضاع القائمة عبر تدمير الثروات والموارد والكيانات المؤسسية القائمة والبنى التنموية والاقتصادية المنشاة تحركها اجندات وقوى إعلامية خفية حتى ان هذا الشعوب في خضم حماسها وانفعالاتها تستنجد بالقوى الاستعمارية الحاقدة وتناشدها بتدمير ماهو قائم انتقامًا من أوطانها ومعتقداتها وموروثاتها الثقافية والاجتماعية.

وبهذا تعود إلى الاذهان مأساة التاريخ التدميري الدامي عندما تكالبت القوى الاستعمارية على الخلافة الاسلامية في عهد الدولة العثمانية وكرست كل امكانياتها الأعلامية والتأمرية عبر الحركات الصهيونية والصليبية والماسونية لخلق حالة من الثورة الوهمية ضد هذه الخلافة وتحول مفهوم الفتح الاسلامي العثماني إلى "الاستعمار العثماني " للدول العربية وبهذا فقد شهدت تلك المرحلة ربيعاً عربياً مشابهاً لما تشهد الأمة في هذه المرحلة الحالية في الشرق الأوسط قاده جواسيس غربيون تحت مسميات ناعمة مثل لورانس العرب وغيرهم من الرحالة والمستشرقون الذين وصلوا إلى مفاصل القرار السياسي والعسكري للحكام المتنازعون من امراء وسلاطين واصبحت هذه الكيانات القبلية والسياسية العوبه سهلة في يد هذه الدول الاستعمارية.

وبينما كانت آله الحرب العسكرية الغربية تسحق مفاصل الخلافة العثمانية على امتداد الكيان الاسلامي الشاسع كان "الثوار العرب" من اتباع وانصار التغيير المشؤم الذي جاء به لورانس ينسفون كل ماهو قائم من بنيه تحتيه واقتصادية على قاعدة الانفعال والرغبة في تغيير الواقع بعيداً عن الاحساس بالوطن والانتماء إلى مجموع "الأمة" ، وشهدنا حينئذ كيف كانت المجموعات الثورية العربية تضع العبوات والمتفجرات الناسفة تحت المنشآت الاقتصادية والتاريخية والسكك الحديدية وطرق المواصلات والاتصالات ومنها المشروع العثماني الاستراتيجي لربط الدول العربية بشبكة من السكة ومحطات القطارات التي امتدت من تركيا مركز الخلافة الاسلامية إلى ميناء الحديدة بولاية اليمن الميمون عابرة اقاليم وولايات عربية في الشام والحجاز ونجد واليمن.

واثمر ذلك الربيع "اللورانسي " البغيض عن اتفاقية سايس-بيكو المشؤومة والتي تجرعت الشعوب العربية بسببها فتن التقسيم والخلافات الحدودية والتناقضات العرقية والقبلية وأصبحت الشعوب العربية منغلقة على نفسها تقودها حكومات عميلة ويرعاها الخبراء الاستعماريون والمرتزقة من الغرب والحركات الصهيونية المعادية للعرب.

وفقدنا تبعًا لتلك الكبوة اجزاء من أوطاننا الغالية منها فلسطين ولواء الاسكندرونه وتفككت الشام الى سوريا ولبنان واليمن إلى شمالي وجنوبي ومنطقة الخليج العربية إلى سلطنات ومشيخات متناثرة انشغلت بها هذه الدول بينما تفرغت الدول الاستعمارية إلى نهب الثروات الطبيعية والبشرية وانزلقت الأمة في منحدر الجهل والتخلف والاتكالية على كل ماهو غربي حتى توقف العقل العربي تماماً عن التفكير واستغنينا عن صناعة اشياء حيوية كنا نصنعها بأنفسنا واصبحنا عالة على بقية الامم والشعوب.

وبحكم فطرة هذه الأمة وقدرتها على الصمود والبقاء فقد حقق لها الله نماذج ثورية ملهمة قادت ثورة استعادة الهوية واعادة البناء حتى تمكنت الشعوب العربية من الوقوف على اقدامها من جديد والتحرر من تلك الهيمنة الاستعمارية ومواجهة الهجمة الإمبريالية والصهيونية العفنة على مقدرات الأمة.

وبقدر هذا الزخم الثوري الجديد إلا ان الجرح الذي تركه الربيع الاستعماري السابق لايزال يتكرر بسيناريوهاته وخططه الحاقدة على فترات من الزمن نشهدها حالياً في موجه التدمير الذاتي لمقدرات الامة التي تنفذه للأسف ابناء وكوادر هذه الأمة. وما حصل في اليمن وليبيا وسوريا يؤكد ان الربيع العربي الهادف إلى تحقيق العدل والمساوة لأفراد هذه الأوطان قد تحول بدفع سري مجهول إلى تدمير ممنهج لكل ما حققته شعوب هذه المنطقة على مدى قرنان من الزمن وأن هذا الانتقام الاستعماري البغيض يدفع بعودة الأوطان العربية إلى سنوات الوصاية والتخلف والجهل وتدمير كل ما تحقق تحت ذريعة الديمقراطية وحقوق الأنسان وتمكين المرأة ، ولعلكم أدركتم و تدركون كيف أن هذه الدول لا تسمح بمثل هذه الأعمال في بلدانها ولكنها تبيحها وتدعمها في بلدان الغير.

اذ قامت الولايات المتحدة بفض اعتصامات وول استريت بالقوة وقتلت اربعة من المعتصمين دون رحمة لأنها تعتبر أن توقف التنمية ليوم واحد في وطنها يؤخرها خمسون عاماً إلى الوراء. فكيف بنا وحالنا اسوء منهم بكثير  واقتصادنا لا يحتمل ساعة من التوقف فكيف بينا وثوارنا يقطعون الطرقات ويدمرون ابراج الكهرباء ويفجرون انابيب النفط والغاز وينهبون المارة والمسافرون في الطرقات ويغتالون خصومهم السياسيين والعسكريين ويهددون الروابط الاجتماعية والقبلية بين مناصر ومعارض ويستولون على المناصب والمواقع بدون كفاءة وممارسة الظلم الاجتماعي والسياسي على خصومهم واقصاء الأخرين في الرأي وعدم تقبل الرأي والرأي الأخر.

واصبحت الدول العربية الغنية تنفق اموالها لتمويل الربيع العربي في الدول العربية الفقيرة دونما إدراك لما تسببه من الآم وجروح في جسد هذه الشعوب. وغير مدركة أن هناك خرائط قديمة تطوى وخرائط جديدة تعد على شاكلة سابقاتها من الخرائط التقسيمية ومخططات التجزئة وقد بدأت بوادرها الفعلية في السودان وبوادرها التأمريه في اليمن فهل تتبعها سوريا ولبنان والسعودية وما عليها إلاّ اليقظة وأن غدٍ لناظرة قريب.

وبهذا فأننا نصل إلى حقيقة نتمنى أن يعيها كل الفصائل المشاركة في هذا الربيع مؤالاة ومعارضة بأن يتبنوا مبدأ الحوار والمكاشفة وتوعية الأجيال الثائرة المنتقمة بما شهدة التاريخ العربي والاسلامي من حركات مماثلة تبنتها القوى الاستعمارية الحاقدة ونفذتها الشعوب المغلوبة على امرها دون ادراك بنتيجة ما تقوم به.

كما نأمل أن تكون ثوراتنا وانتفاضاتنا نحو التغيير واعية لمخاطر الارتهان إلى الأجنبي والاعتماد على الناشطين المجهولين الذين زرعتهم القوى الاستعمارية والتأمريه حتى لا ندفع ثمنًا باهظًا عند كل تغيير ننشده ، وإلا يكون التغيير الذي يتحقق مقابل خسارة كل شيء والبدء من الصفر.

**رئيس مركز مداري للدراسات والأبحاث الأستراتيجية.

3 فبراير 2022