بنعيسى بوحمالة.. “أستاذ مكناس” المولع بالثقافات البعيدة

الراحل بنعيسى بوحمالة الذي خلف رحيله حالة من الحزن والرزء في الوسط الثقافي بالمغرب، أصدرا عددا من الكتب النقدية في الأدب.

وموازاة مع مساره النقدي الذي تكلل بإصدار دراسات وحضور مؤتمرات وطنية ودولية، حرص بنعيسى بوحمالة، على أداء عمله الدؤوب في المدرسة العليا للأساتذة لسنوات طويلة، فكان ممن أشرفوا على تدريب أجيال متلاحقة من المدرسين المغاربة.

وحتى بعد التقاعد، لم يشأ بوحمالة أن ينزوي جانبا، فواصل محاضراته بشغف جلي، وراح يجوب المغرب، شرقا وغربا، يحضر أنشطة الثقافة، ولئن دُعي إلى مدينة صغيرة، وهو يعتمر قبعته الشهيرة، ويحمل حقيبة الذراع الملازمة له، في حين كان صوته هادئا أقرب للخفوت، لكن الخفوت الذي يغشاه الوقار.

يُوصف بوحمالة بالرجل الموسوعي، لأنه لم ينكب على جزئية من الأدب ليختص فيها دون سواها؛ فهو ممن كتبوا عن “النزعة الزنجية” في الشعر السوداني، متناولا في ذلك الشاعر السوداني الكبير، محمد الفيتوري.

ولم يكتف بوحمالة؛ وهو المترجم الملم باللغة الفرنسية أيضا، بحالة الفيتوري، بل مضى يتمحص أعمال شعراء فرنكفونيين آخرين في القارة السمراء، فكان بوسعه أن يتحدث عن شاعر في تشاد أو في دولة أخرى محاذية.

وحين يتحدث بوحمالة في محاضرة، فهو ممن يمسكون بناصية المعرفة، على نحو مريح ومبهر، حتى أنه قد يتحدث مطولا لساعات، دون أن يعرج على ورقة تعينه على استذكار أسماء أو تواريخ، فلم يكن يغادر القاعة، مستأذنا بلباقة من طلبته، إلا ليدخن سيجارة، ثم يقفل عائدا ليكمل ما بدأ، والحاضرون يسألون المزيد.

لم يرتض بوحمالة أن يظل النقد أسير الأسماء البراقة التي جرى تناولها بشكل أكثر من كاف، فقد كان يبحث دوما عن الخوض في جزئيات أدبية لم يجر التطرق إليها من ذي قبل، حتى وإن كان ذا مقولة شهيرة طالما رددها أمام طلبته “الجديد يُربك”.

كان بوحمالة يردد المقولة في محاضراته، في إشارة إلى أن الجديد ليس مربكا بحكم وجود عناصر مربكة فيه، بل لأن الإنسان يألف الأمور من حوله، فلا يطيق ما يكون عنصرا دخيلا بالنسبة إليه.

ولأن بنعيسى بوحمالة لم يؤمن بانتصاب الجغرافيا عقبةً أمام الثقافة، فقد أخذ على عاتقه أن يكتب عن أعمال الشاعر العراقي، حسب الشيخ جعفر عبر كتاب “أيتام سومر”.

وطالما تحدث بوحمالة عن ذكريات زيارته إلى العراق، وهو الأستاذ المختص في الأدب العربي، فعرج بحنين عن زيارة دار المعلمين العالية في العاصمة بغداد، المؤسسة التي كانت “مشتلا” لأسماء أدبية وازنة مثل بدر شاكر السباب.

ارتحال في الأرض وملاحقة للثقافة

ولم تكن منطقتا إفريقيا والشرق الأوسط، لتكفيا الراحل بوحمالة، فراح ينفتح على آداب في أوروبا الشرقية، منطلقا من شغفه بعنصر الشعرية، لا سيما في عصر زحفت فيه تغيرات كبرى على الدواوين، فلم تعد بالتماسك الذي كانت عليه قبل قرون.

حضر بوحمالة مؤتمرا في العاصمة البنغالية دكا، وكان يتحدث بإعجاب عن الطابع الفسيفسائي للثقافة الهندية، لكأن نهمه إلى معرفة البشر وأشكال تعابيرهم وإبداعهم، لا يرتوي، وهو يجوب مختلف الدول والأمصار.

وحين زار بنعيسى بوحمالة الولايات المتحدة، لم يدع الزيارة تمر دون أن يوثق مشاهداته بعين “الأنثربلوجي” وتأملات “الناقد” إزاء الحلول بأقوى بلد في العالم، من زاوية الثقافة والتاريخ والصناعة وحسابات السياسة.

وإذا كان الإنتاج النقدي لبوحمالة قد انهمر كتبا ومقالات ومحاضرات طيلة عقود، حتى يكاد التطرق إليها ضربا من ضروب المشقة، فإن عددا من طلبة الراحل وأصدقائه الكتب، أجمعوا على وصف بوحمالة بالموسوعي الذي يصعب تعويضه، وقد شق مسار متفردا، آلف فيه بين النقد والترجمة والأنثربلوجيا وعدد من فنون التعبير الأخرى، بقدر سعة مدارك الإنسانية.