الرئيسية / رياضة / “الميركاتو”..كيف بدأت فكرة “مواسم الانتقالات” في عالم الكرة؟

“الميركاتو”..كيف بدأت فكرة “مواسم الانتقالات” في عالم الكرة؟

وأنفقت أندية كرة القدم على التعاقدات مع اللاعبين خلال الفترة من 2011 وحتى 2020، أكثر من 48 مليار دولار، وفقا لتقرير صادر عن “الفيفا“.

وأجرت أندية أكثر من 200 دولة حول العالم ما يقارب 133 ألف تعاقد في صفقات بيع نهائي أو إعارة.

وشهد عام 2019 أكبر عدد من الصفقات خلال ذلك العقد برصيد 18 ألف صفقة، وشارك في هذه التعاقدات أكثر من 8 آلاف ناديا، وشملت الصفقات قرابة 66 ألف لاعبا.

بداية “الميركاتو”

بالتزامن مع المحاولات الأولى لإنشاء نظام احترافي لكرة القدم في إنجلترا بمنتصف ثمانينيات القرن التاسع عشر، وتحديدا في 1885، عندما أصبحت مهنة “لاعب كرة القدم” رسمية ومعترف بها، وضعت اللبنة الأولى في نظام الانتقالات الذي نعرفه اليوم.

وقبل هذه الخطوة الهامة والمؤثرة في تاريخ اللعبة، كانت الأندية تدفع أجور للاعبين غير قانونيين، وقام مالكو الأندية بالعديد من حالات الدفع غير القانونية لإغراء النجوم، إذ لم يكن هناك نظام، وبوسع اللاعب أن ينتقل إلى أي ناد وقتما يريد.

هذه الفوضى حولت النجوم إلى مرتزقة مأجورين، يتحركون نحو من يدفع أكثر، استغلالا لرغبة الجميع في تحقيق الانتصار داخل الملعب، وحتى لو كان سببا في تكبد خسائر مالية كبيرة، وفقا لما جاء بتقرير صحيفة “ذا أثلتيك” البريطانية حول تاريخ “الميركاتو” بكرة القدم.

أدرك الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، التأثير السلبي لهذا النوع من الانتقالات الفوضوية على نزاهة المنافسة، لذلك قرر اتخاذ الإجراءات اللازمة.

وكانت النتيجة إضفاء الطابع الاحترافي على كرة القدم في 1885، الذي يتطلب تسجيل جميع اللاعبين المحترفين في الاتحاد، قبل بداية الموسم الكروي.

وعقب انطلاق الموسم، لا يجوز لأي لاعب مغادرة فريقه حتى موعد التسجيل المقبل، على أن تتم الصفقة بموافقة نادي اللاعب والاتحاد الإنجليزي.

ومع شعور الأندية بأنهم يستحقون تعويضا ماليا عن رحيل لاعب ما، فقد أدى ذلك إلى وضع نظام جديد يمكّن الأندية من الاحتفاظ بلاعبيها.

والفرق الرئيسي بين هذا النظام و”سوق الانتقالات” اليوم، هو أن اللاعبين آنذاك لم يتمكنوا من الانتقال مجانا بعد انتهاء مدة عقودهم، ما لم تدفع الأندية الجديدة مقابل الانتقال المطلوب.

وبسبب هذا القانون الجديد، انتقلت دفة القوة التفاوضية للأندية، حيث أصبحت تتمتع بالقدرة على المساومة، ما مكنها من الاحتفاظ باللاعب وعرض عقد (عادة ما يكون لمدة سنة واحدة)، أو الانتظار حتى يقدم ناد آخر عرضا مناسبا لشراء اللاعب.

كان الغرض الأساسي من هذه الخطوة هو مساعدة الأندية الصغيرة على الاحتفاظ بنجومها أو الحصول على مبالغ كبيرة في المقابل.

وخلال هذه الفترة، كانت بريطانيا تضع القواعد العامة لكرة القدم، وانتشرت هذه القواعد تدريجيا في القارة العجوز، ومنها إلى القارات الأخرى.

فعلى سبيل مثال، أقيمت أول مباراة لمدة 90 دقيقة بإنجلترا بين فريقي لندن وشيفيلد في 1866، وأصبحت قاعدة عامة بعد ذلك.

ومع تأسيس الاتحاد الدولي للعبة “فيفا” عام 1904، مُهد الطريق لتحول كرة القدم إلى لعبة عالمية بقواعد مشتركة نسبيا، وصولا إلى كونها الأكثر شعبية بالعالم من بين الألعاب الأخرى.

وفي خطوة لاحقة، قرر الاتحاد الإنجليزي أيضا وضع حد أقصى وأدنى للرواتب من أجل التحكم في أجور اللاعبين، وحماية الاستقرار المالي للأندية.

ومع ذلك، كان المجد الكروي ما زال يطارد عقول مالكي الأندية، ما يعني أن الحد الأقصى للأجور كان يُكسر بشكل غير قانوني في كثير من الأحيان من قبل مديري الأندية لجذب المواهب القوية.

واتسمت العلاقة بين اتحاد اللاعبين، المعروف الآن باسم رابطة اللاعبين المحترفين، مع اتحاد كرة القدم خلال العقد الأول من القرن العشرين، بكونها غير مستقرة، الأمر الذي مهد لإضرابات وحملات كان لها تأثيرا ضئيلا على الزيادة المطردة والبطيئة في الحد الأقصى للأجور.

ولم يكن من المفاجئ مغادرة لاعبين على مستوى عالٍ مثل جون تشارلز وجيمي جريفز إلى خارج إنجلترا في الخمسينيات من القرن الماضي، عندما تم إغراؤهم بأجور عالية.

واقعة إيستهام و”الهيبيز”

في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، ظهرت حركة شبابية تدعى “الهيبيز” في الولايات المتحدة الأميركية، ثم ببعض الدول المجاورة في القارات الأخرى، وكان الهدف من تأسيسها مناهضة للقيم الرأسمالية، حيث ظهرت بين طلاب بعض الجامعات في الولايات المتحدة كاحتجاج وتمرد على قيادة الكبار والمظاهر المادية والنفعية وثقافة الاستهلاك.

تأثرت بريطانيا بحركة “الهيبيز”، خاصة في عالم كرة القدم، إذ بدأت الاحتجاجات لإلغاء الحد الأقصى للأجور للاعبين إيقافا لنزيف المواهب المستمر الذي تعرضت له إنجلترا خلال هذه الفترة.

واستجابت زارة العمل البريطانية لاعتراضات رابطة اللاعبين المحترفين، وأعلنت بشكل رسمي عام 1961، إلغاء الحد الأقصى للأجور في كرة القدم الإنجليزية، ما أعطى اللاعبين من جديد القوة التفاوضية مع الأندية من أجل الحصول على أفضل عرض ممكن.

في العام 1963، مثلت صفقة انتقال اللاعب الإنجليزي، جورج إيستهام، إلى أرسنال نقلة نوعية في تاريخ الانتقالات في كرة القدم.

قدم إيستهام طلب انتقال من نيوكاسل يونايتد في عام 1959، وبعد أن رفض النادي، قرر اللاعب عدم التوقيع على العقد الجديد المعروض عليه.

وبمساعدة رابطة اللاعبين المحترفين ورئيسها جيمي هيل، حصل إيستهام على مراده وانتقل إلى أرسنال في 1960 بعد حرب دعائية.

ورفعت رابطة اللاعبين المحترفين قضية إلى المحكمة لإجراء مزيد من التعديلات على النظام القديم الذي بدأ في عام 1885.

وحكم القاضي بارون ويلبرفورس لصالح إيستهام، ما اضطر سلطات كرة القدم إلى إعادة مراجعة النظام بحيث يمكن للاعبين الذين يصلون إلى نهاية عقودهم أن يغادروا بشكل مجاني إذا فشلت أنديتهم في تقديم عرض جديد مناسب.

ثورة بوسمان

من إيستهام إلى البلجيكي جان مارك بوسمان، الذي أحدثت صفقة انتقاله ثورة جديدة في عالم الانتقالات باللعبة.

ففي العام 1992، وقع الاتحاد الأوروبي معاهدة “ماستريخت”، والتي سمحت بحرية الحركة العمالية في جميع أنحاء القارة.

وقعت هذه المعاهدة بالتزامن مع انتهاء عقد بوسمان مع ناديه البلجيكي “آر سي لييج”، والذي قدم عرضا مخفضا إليه، وهو ما لم يروق لبوسمان، ليبدأ البحث عن ناد آخر يقدّر خدماته بشكل أفضل ماديا.

وقدم النادي الفرنسي “دونكيرك” عرضا مناسبا لبوسمان، إلا أن ناديه البلجيكي وقف في وجه الصفقة، بحجة تخوفه من عدم قدرة “دونكيرك” على تحمل قيمة الصفقة.

وقرر بوسمان اللجوء إلى القضاء، ورفع شكوى إلى محكمة العدل الأوروبية في لوكسمبورغ ضد ثلاث جهات: نادي آر سي لييج، والاتحاد البلجيكي لكرة القدم، والاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا”، على أساس أنهم قيدوا حركته بشكل غير قانوني في سوق العمل.

وجاء تصرف الجهات المذكورة مع بوسمان ضد المادة 39 من قانون العمل في المعاهدة الأوروبية “ماستريخت”، تلك المادة أصبحت نواة لـ “قانون بوسمان” المستند في جوهره على أن لاعبي كرة القدم تسري عليهم قوانين العمل الأوروبية بصفتهم عمالا يحق لهم حرية الانتقال والحركة، دون تعرضهم للابتزاز أو العزل أو التهديد.

وبعد سنوات من المداولات والشد والجذب، وتحديدا في 15 ديسمبر من عام 1995. فاز بوسمان بنزاعه، لينتصر جميع لاعبي كرة القدم حول العالم وليس في أوروبا فقط.

وأتاح “قانون بوسمان” للأندية الأوروبية الاعتماد على عدد غير محدود من اللاعبين المنتمين لدول الاتحاد الأوروبي، واعتبارهم غير محترفين، كما فسح المجال لمغادرة اللاعبين لفرقهم بشكل مجاني بمجرد انتهاء عقودهم أو بالتفاوض مع الأندية الراغبة في التوقيع معهم قبل 6 أشهر من انتهاء عقودهم مع أنديتهم.

هذه الإجراءات أدت إلى تقديم بعض الأندية عقودا طويلة الأجل على أمل استعادة بعض السيطرة.

ومؤخرا قام نادي أتلتيك بلباو الإسباني بتمديد عقد مهاجمه الشاب إيناكي ويليامز لمدة 9 سنوات، وظهور شروط جزائية ضخمة كالشرط الجزائي بعقد لاعب ريال مدريد الشاب فيديريكو فالفيردي والذي يصل إلى مليار يورو.

جدير بالذكر، أنه خلال تطور الانتقالات في كرة القدم، ظهر نظام “إعارة اللاعبين”، وحدثت أول صفقة على سبيل الإعارة في 1872 بإنجلترا، بانتقال اللاعب شيكوير إلى نادي واندررز.

محاربة الجنون

تطورت حركة الانتقالات أكثر وأكثر بمرور الأعوام، ما أدى إلى ظهور مهنة وكيل اللاعبين في 1991، ليصبح وجودها ضروريا بعد ذلك، مع ظهور أسماء كبيرة في هذا العالم مثل: مينو رايولا وخورخي مينديز.

ووفقا لتقرير “فيفا” عن الصفقات التي تمت من 2011 وحتى 2020، فإن الأندية أنفقت ما يقارب 3.5 مليار دولار أميركي على عمولات وكلاء اللاعبين خلال هذه الفترة، وأن هذا المبلغ في طريقه إلى الزيادة.

وشهد العام 2009، تقديم قانون “اللعب المالي النظيف” من قبل “يويفا”، وهو قانون يتم العمل به من قبل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، وهو يستهدف معادلة جميع الأندية المشاركة في البطولات القارية لليويفا للإيرادات والمصروفات، وألا يكون في ميزانيتها أي نوع من أنواع العجز المالي، وبدأ العمل به رسميا بموسم 2011 – 2012.

وبموجب هذا القانون فإن النادي الذي تزيد مصروفاته عن إيراداته يكون عرضة لعقوبات الاتحاد الأوروبي، والتي تبدأ من التوبيخ ولفت النظر، ويمكن أن تصل للمنع من المشاركة في المسابقات أو الحجب تماما.

وجود “اللعب المالي النظيف” كان ضروريا مع ظهور صفقات أعلى من 100 مليون يورو، ومع اتهامات لكبار أوروبا بدفع بعض المال “تحت الطاولة” هربا من العقوبات.

وفي التقرير الذي عرضه الاتحاد الأوروبي لكرة القدم في 2009، تبين أن نصف الأندية البالغ عددها 655 قد تحملت خسائر مادية في السنة السابقة، وأن 20 في المئة منها في وضع مالي خطير.

وفي الأشهر الأولى من عام 2012، أكدت البيانات الواردة أن ديون أندية كرة القدم تقدر بحوالي 1.6 مليار يورو، وبلغت نسبة النمو 36 في المئة، وحملت هذه البيانات كارثة تمثلت في أن 75 في المئة من الأندية غير قادرة على تحقيق التوازن المطلوب.

دفع قانون اللعب المالي النظيف الأندية للبحث عن موارد جديدة للاستثمار وكسب المال، كما أجبرتهم على الاهتمام بقاعدة الناشئين وذلك لأن الاعتماد على شراء اللاعبين فقط سيسبب بطريقة أو بأخرى العجز في الميزانية، لكن ما زال الجميع يسعى للحصول على خدمات النجوم، حتى لو كانت التكلفة استثنائية، وظل “المجد الكروي” الهدف الأهم من اللعبة.

اترك تعليقاً