الرئيسية / كتابات وتحليلات / الدولة المدنية.. الضرورة والحتمية والأولوية والإستراتيجية

الدولة المدنية.. الضرورة والحتمية والأولوية والإستراتيجية

بقلم / ماجد زايد

الدولة هي الأمان والمستقبل والأمنيات ، هي اللحظات المستقرة والخالدة في حياة كل إنسان ، هي أرزاق الفقراء وقلوب الثكالى والحزينات ، ما عداها مجرد ضياع وتراكمات ، الدولة بمعناها المادي.. دولة القانون والمساواة ، دولة المدنيين والتشارك الجمعي في تسييرها وتداول أمر سلطتها ، دولة النظم المتوافق عليها.. الدولة التي تجمع السياسة لتؤسس كياناً ذا إختصاص سيادي ونطاق إقليمي محدد يمارس السلطة عبر منظومة من المؤسسات الدائمة..

ضرورة الدولة يأتي كخيار لابد منه ومقدمة حتمية وأولوية استراتيجية يجب أن تتقدم على جميع الاهتمامات والانشغالات والاشتغالات والجدالات البيزنطية والتخندقات الفئوية والتناقضات المتقابلة والأطراف المتحاربة والآيدلوجيات المتصارعة حول توزيع الجغرافيا والفوز بالحصص الدسمة والتوافقات التحاصصية ضمن برامج الصفقات التي يراد بها ارضاء جميع “المتحاربين” على حساب اولوية الدولة باعتبارها الحاضنة الجامعة لكل اطراف التعاقد الاجتماعي على حساب المواطن الذي أفنى حياته ينتظر أداءاً حكومياً يوفر له الحد الادنى من متطلبات الحياة كالامن والخدمات والتعليم وان كان من حقه حدود اعلى بكثير مما هو عليه..

الدولة هي البودقة التي تنصهر بها كافة التطلعات النخبوية والجماهيرية وهي الاساس الذي تتمركز حوله جميع الحراكات السياسية والفعاليات المجتمعية وينصهر فيه المجتمع السياسي المنبثق عن المجتمع الاهلي فتكون ـ اي الدولة ـ هي الغاية المتوخاة من اي حراك او فعاية وليس العكس وذلك اذا ما اريد انتاج دولة مدنية وعصرية طالما داعبت تجلياتها مخيلة اليمنيين وهم ينظرون ليس فقط الى العالم المتقدم بينما يخوض غمار التطور المستمر..

الدولة المدنية وحدها القادرة على تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة على نحو جاد يمنع التجاوزات المرعبة التي بتنا نعاني منها بصورة تصاعدية. تطرف ديني من قبل بعض الجماعات الإسلامية الراديكالية والشيوخ المتشددين ينفي حقوق المواطنة المتساوية ويقصي أصحاب الرأى الآخر بإخراجهم عن الدين والملة.

وحدها الدولة المدنية بمقدورها حظر المتاجرة بالدين ومنع الشعارات الطائفية ، وتحول بأدوات تشريعية (البرلمان) وتنفيذية (الحكومة) دون احتكار البعض للحديث باسم الدين وتوظيفه لإقصاء أصحاب التوجه الديني الآخر أو الرأى السياسي الآخر ، هي القادرة على مجابهة التطرف وحماية المساحة العامة بمكوناتها السياسية والاجتماعية والثقافية كمساحة مساواة بيننا جميعا. بل إن الدولة المدنية التى يريدها الجميع بعد التحول نحو الديمقراطية وسيادة القانون هي أيضا التي تضمن للمؤسسات الدينية الرسمية ممارسة دورها الحقيقي ، تحمي إلتزامها بالشرائع السماوية، وتباعد بينها وبين التوظيف الطائفي أو السياسي غير المقبول لها.

الشعوب بلا دولة تقوم بتجميعهم وترتيب حياتهم وحماية بقاءهم مجرد مشردين وقاصرين لا أكثر ، الدولة في خلاصتها هي القوة والطعام ، وهي كل شيء ، حتى وإن كان فيها شكلاً مزدوجاً من الفساد الاّ أنها تبقى على حدود غايتها لا تبتعد كثيراً ، حتى وإن كانت فقيرة تبقى بحد ذاتها أملاً كبيراً من الأمان والإستقرار وأساساً عريضاً للبناء عليه في كل حين..